تبني الذكاء الاصطناعي يسبق الثقة، مما يثير تساؤلات جديدة

٠٣ يونيو ٢٠٢٦


۰ التعليق


تبني الذكاء الاصطناعي يسبق الثقة، مما يثير تساؤلات جديدة

الدمج السريع للذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرار المؤسسي يكشف عن فجوات كبيرة في المعايير القانونية التي تحكم مسؤوليات مديري الشركات.

أكسفورد، 3 يونيو 2026 — كشفت دراسة جديدة نشرها الباحث القانوني جيوفاني فيترونيو أن الدمج السريع للذكاء الاصطناعي في عمليات اتخاذ القرار المؤسسي يكشف عن فجوات كبيرة في المعايير القانونية التي تحكم مسؤوليات مديري الشركات.

وبينما تتزايد وتيرة دمج الشركات للذكاء الاصطناعي في عملياتها الاستراتيجية والتشغيلية، تجد الأطر القانونية المصممة لاتخاذ القرارات البشرية صعوبة في مواكبة هذه التطورات. وتشير دراسة حديثة أجرتها “كي بي إم جي” (KPMG) إلى أن 66% من المستخدمين يعتمدون بانتظام على أدوات الذكاء الاصطناعي، لكن حوالي نصفهم فقط يثقون في مخرجات هذه الأدوات بدرجة كافية لاستخدامها في القرارات التشغيلية. وفي الوقت نفسه، تظهر أبحاث “بي دبليو سي” (PwC) أن ما يقرب من نصف قادة التكنولوجيا يعتبرون الآن الذكاء الاصطناعي مدمجاً بالكامل في استراتيجيات شركاتهم.

ويقول الخبراء إن الانفصال بين معدلات التبني ومستويات الثقة له تداعيات مهمة على حوكمة الشركات.

ويجادل فيترونيو قائلاً: “لقد تجاوز التبني مستوى الثقة. والأهم من ذلك، أنه تجاوز الأدوات المفاهيمية التي تحكم مسؤولية المديرين”.

ويتضح هذا التحدي بشكل خاص في ولايات قضائية مثل إيطاليا، حيث تخضع واجبات المديرين لمعايير قانونية وُضعت قبل عقود من ظهور الخوارزميات المتقدمة. فالمادة 2392 من القانون المدني الإيطالي، التي صِيغت عام 1942، تلزم المديرين بممارسة “العناية” (Diligence) المناسبة لدورهم. ومع ذلك، يفترض القانون أن القرارات التجارية يمكن فهمها وتقييمها وإعادة بنائها من قبل صناع القرار البشريين، وهو افتراض تتحدى أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.

فنماذج تعلم الآلة تعمل غالباً كـ “صناديق سوداء” (Black Boxes)، وتنتج نتائج قد يصعب شرحها حتى على مطوريها أنفسهم. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين بشأن ما يشكل إشرافاً “كافياً” عندما يوافق المديرون على القرارات التي يقودها الذكاء الاصطناعي أو يعتمدون عليها.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً في ظل “قاعدة الأحكام التجارية” (Business Judgment Rule)، وهي مبدأ قانوني يحمي المديرين عموماً من المسؤولية عندما يتم اتخاذ القرارات بحسن نية وعلى أساس معلومات كافية. ويجادل النقاد بأن المديرين قد يواجهون صعوبة في تلبية معيار “الإحاطة بالمعلومات” (Informed) عندما تتأثر القرارات الرئيسية بخوارزميات لا تتسم عملياتها الداخلية بالشفافية الكاملة.

واستجابة لذلك، اقترح فيترونيو والمؤلف المشارك سوتوريفا إطاراً جديداً للحوكمة يُعرف باسم “نموذج TRACE”، وهو مصمم لمساعدة مجالس الإدارة على إدارة المخاطر المتعلقة بالذكاء الاصطناعي دون الحاجة إلى أن يصبح المديرون خبراء تقنيين.

ويقوم الإطار على خمسة مبادئ:

١. الشفافية (Transparency): ضمان امتلاك مجالس الإدارة لوثائق واضحة تشرح ما تفعله أنظمة الذكاء الاصطناعي، وقيودها، وكيفية اندماجها في عمليات الشركة.

٢. تقييم المخاطر (Risk Assessment): التقييم المستمر للتحيزات المحتملة، وأعطال النظام، وتدهور الأداء بمرور الوقت.

٣. مسار التدقيق (Audit Trail): الاحتفاظ بسجلات تسمح للشركات بإعادة بناء كيفية التوصل إلى القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

٤. الكفاءة (Competence): ضمان امتلاك مجالس الإدارة جماعياً للخبرة اللازمة للإشراف على الذكاء الاصطناعي من خلال التدريب أو اللجان الاستشارية أو المديرين المتخصصين.

٥. الأخلاقيات (Ethics): دمج حوكمة الذكاء الاصطناعي في المسؤوليات البيئية والاجتماعية والحوكمة (ESG) الأوسع.

ويرى المؤلفون أن التركيز يجب أن يتحول من تقييم ما إذا كان المديرون يفهمون الخوارزميات المعقدة شخصياً، إلى تقييم ما إذا كانت هياكل الحوكمة المناسبة موجودة للإشراف عليها.

وعلى الرغم من تطوير هذا الإطار مع مراعاة القانون الإيطالي، إلا أنه يعالج مخاوف تظهر في ولايات قضائية متعددة. ففي الولايات المتحدة، يتطلب مبدأ “كارمارك” (Caremark) في ولاية ديلاوير من مجالس الإدارة إنشاء أنظمة إشراف قادرة على تحديد إخفاقات الامتثال. وتوجد واجبات مماثلة بموجب قانون الشركات البريطاني لعام 2006، كما بدأ فقهاء القانون الألمان في مناقشة مفاهيم “العناية الرقمية” لمديري الشركات.

ويرى الباحثون أن حوكمة الذكاء الاصطناعي يجب أن يُنظر إليها كامتداد لالتزامات الإشراف الحالية، وليس كفئة جديدة تماماً من المسؤولية القانونية.

ومع استمرار تسارع تبني الذكاء الاصطناعي، قد تجد المحاكم في جميع أنحاء العالم نفسها قريباً أمام ضرورة تحديد كيفية تطبيق واجبات المديرين التقليدية عندما تلعب الخوارزميات دوراً محورياً في اتخاذ القرارات المؤسسية.

ويختتم فيترونيو قائلاً: “إن معيار عناية المديرين لم ينكسر، لكنه يحتاج بالتأكيد إلى أن يُقرأ في ضوء التقنيات التي بات ملزماً بالإشراف عليها الآن”.

ويقول خبراء قانونيون إن الفشل المؤسسي الكبير القادم المرتبط بالذكاء الاصطناعي قد يوفر أول اختبار حقيقي لهذه المعايير المتطورة.

مصدر: موقع كلية الحقوق في جامعة أكسفور



التعليقات

۰ الآراء

;