٠٢ يوليو ٢٠٢٦
قم، إيران — أصدر مدير الحوزات العلمية في إيران، آية الله علي رضا أعرافي، رسالة تاريخية موجهة إلى الشعوب الحرة والمستيقظة في العالم بمناسبة تشييع الإمام الشهيد، داعياً إلى تسجيل هذا الوداع التاريخي كحدث فريد يتجاوز حدود الزمان والمكان.
بسم الله الرحمن الرحيم
«وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» (سورة آل عمران، 169)
«مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا» (سورة الأحزاب، 23)
إلى الأمة الإسلامية العظيمة، وإلى أحرار العالم ومستضعفيه، والشعوب المستيقظة، والضمائر الحية في أرجاء المعمورة:
إن العالم الإسلامي اليوم - بل كل البشرية المتعطشة للعدالة - يندب شخصية شامخة لم تكن تنتمي إلى حدود أو أمة واحدة، بل كانت كنزاً مشتركاً للأمة ووارثةً لنهج الأنبياء والأولياء.
إن استشهاد القائد الحكيم، والمرجع الأعلى، وربّان الثورة الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام خامنئي، ليس حدثاً يمكن إدراكه في إطار جغرافي محدود. إن هذه الفاجعة يجب أن تُقرأ على مقياس معادلات العالم الإسلامي وفي أفق التحولات البشرية الكبرى. لقد كان ذلك الروح العظيم منظومةً من الفضائل التي لا تُعد، ومجرةً من الصفات السامية، التي أضاءت جلواتها إيران والعالم، وغيرت المعادلات الدولية، وأصبحت مصدراً للمكتسبات المتعددة وفخراً لإيران وللأمة الإسلامية.
لقد كان الإمام الشهيد نموذجاً للفكر العالمي؛ حيث تجاوزت رؤيته الحدود العرقية والوطنية، وأسس خطاباً عالمياً وجدت فيه القيم الإنسانية المشتركة، والكرامة الإنسانية، والعدالة، والصمود أمام الاستكبار، لغةً شاملة. لقد كان يدرك التحديات والتهديدات العالمية بعمق، ويتحدث بلغة تليق بعصر الحضارات. إن اللاهوت الذي قدمه كان لاهوتاً عالمياً تحررياً؛ كلمةً أدخلت الله إلى قلب حياة المستضعفين وحوّلت الإيمان إلى قوة تحرر وطني. كما كان موقعه السامي كمرجع يقع ضمن هذا المسار ذاته: مرجعية ربطت الفقه بالمسؤولية التاريخية وهموم الأمة. لقد كان أباً للأمة، وروح أسطورة المقاومة، وقائداً للأمة، ونبض قلوب الناس.
إن الجريمة الشنيعة لقوى الشر في أمريكا وإسرائيل، التي توجت بهذا الاستشهاد، كان الهدف منها - في التوهم المظلم لمهندسيها - توجيه ضربة قاضية لجسد هذا التيار وهذه الأمة وهذا النظام، وإحداث انهيار مفاجئ. وهنا تتجلى أبعاد عظمة قيادته؛ فقد أمضى سنوات في بناء الأمة والدولة، وربط الناس لا بشخصه، بل بالله وبالأسس وبالقيم المتعالية والحيوية والمانحة للحياة. إن القادة الذين يستثمرون في الكاريزما الشخصية يرون أممهم وأنظمتهم تنهار بزوال تلك الكاريزما، لكن نموذج قيادة الإمام الشهيد كان بحيث إن كل شيء مضى بمعجزة في مسار الاستقرار والانسجام، رغم كل التنبؤات الاستراتيجية للأعداء بحدوث الفوضى والانهيار. وهذا شاهد آخر على حقانية وعمق هذه المدرسة التي ربطت الناس بالله لا بالأفراد.
أيتها الأمة النبيلة! إن لهيب الانتقام لهذا الدم الطاهر يجب أن يظل حياً ومستداماً في القلوب - ليس كشعلة عابرة، بل كعزم راسخ للمضي في نفس الطريق الذي رواه بدمه. إن دماء الشهداء تنير الطريق، والوفاء لأهدافهم هو جوهر الثأر الحقيقي. إن الانتقام والثأر للإمام الشهيد ليس مواجهة عاطفية أو انفعالية؛ بل هو استمرار للنضال ضد الظلم والاستكبار في قالب جديد، وهو أحد المهام المركزية والأساسية لمحور المقاومة.
إن استشهاده يحمل مهام ورسائل واضحة لشرائح العالم الإسلامي وإيران:
الرسالة الأولى: الشهادة رأسمال الأمة لا خسارتها؛ وهي سبب ذل العدو ودماره لا انتصاره. ظن الأعداء أنهم باغتيال القائد الحكيم والفريد لإيران الإسلامية سيحطمون إرادة الأمة. لكن السنة الإلهية تقضي بأن دماء الشهداء الطاهرة تعمق جذور الإيمان، وتصلب إرادة الأمم، وتضيء سبيل الحق. وكلما كانت الشهادة أسمى، كانت بركاتها الحاسمة للأمة الإسلامية أعظم وأشد توهجاً.
الرسالة الثانية: فشل حسابات نظام الهيمنة. في هذه الحرب الثالثة المفروضة، وضع العدو الخائن والمجرم عينيه على أهداف لم تتحقق كحلم محموم، ومرة أخرى اصطدم رأسه بالحجر. إن مؤامرة تقسيم إيران، وإسقاط النظام، وإخضاع الشعب الإيراني، ونهب الثروة الوطنية، وتثبيت الكيان الصهيوني، وإبادة محور المقاومة - كلها تبددت ببركة دم الإمام والقادة وشهداء ميناب وآلاف السالكين السمر من أمة الإمام الحسين (ع) في إيران. لم يكتفِ العدو بعدم تحقيق أي من هذه الأهداف، بل مني بهزائم ساحقة. إن تحطم هيبة القوة العظمى في العالم يحتاج إلى سنوات من الدراسة التحليلية العميقة لتفكيكه. إن تدمير القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وإبادة الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية، وتمكين محور المقاومة، والسيطرة على مضيق هرمز، ورستاخيز وانسجام الشعب الإيراني، وإبطال مشروع “إيرانوفوبيا”، وزيادة الدعم العالمي لإيران، وفضح الوجه القبيح لأمريكا والكيان الصهيوني قاتل الأطفال، وظهور إيران كقوة عظمى - كلها تقف ضمن المحاور المفصلية لانتصاراتنا الكبرى في هذه الحرب.
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» (محمد، 7)
الرسالة الثالثة: تجليات وحدة الأمة. اليوم، تشكل جبهة موحدة تتألف من حزب الله في لبنان، وأنصار الله في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، والمقاومة الفلسطينية؛ جبهة يجب أن تزداد تماسكاً ووحدة يوماً بعد يوم. في عصر الفتن المركبة، لا يوجد أصل أثمن للأمة الإسلامية من التضامن والبصيرة والشعور بالمسؤولية.
يجب إدراك أن هذا المنعطف هو لحظة حاسمة ومصيرية. لقد بزغ فجر عصر جديد من اقتدار إيران والإسلام ومحور المقاومة. إن هذه التحولات الكبرى هي ثمرة قرون من جهاد وكفاح العلماء الربانيين والأمم المستيقظة - إرث بدأ مع الإمام العظيم واستمر مع الإمام الشهيد، وأثمر لتحرير الأمة والمستضعفين من قرون المعاناة، ولتشكيل أقطاب قوة جديدة وحضارة إسلامية جديدة، وللتمهيد لظهور شمس الولاية العظمى. إن الفهم الصحيح لمعادلات وتحولات هذه اللحظة هو واجب على عاتق جميع المخلصين ومفكري الأمة.
إن تشييع هذا الجثمان الطاهر يجب أن يُسجل كحدث فريد وعابر للأزمنة. إن اجتماع شخصيات الصف الأول في العالم الإسلامي، والرموز العالمية، ووسائل الإعلام القوية للأمة، والعلماء، والمثقفين، والمجاهدين، والأحرار في العالم سيساعد هذه الملحمة على الإشعاع عالمياً، وإيصال الرسائل الكبرى للإمام الشهيد إلى قلوب البشر في كل القارات، وخاصة في العالم الإسلامي. إن هذا الحضور الجماهيري الضخم سيكون بحد ذاته صرخة مدوية لصوابية هذا الطريق وتجديداً للعهد مع منظومة الإيمان والعدالة والاستقلال والكرامة والمقاومة والأمل بالمستقبل. إن هذا التشييع سيخط صفحة ذهبية في تاريخ هذه الأرض والعالم الإسلامي.
إنني أدعو كافة شرائح الشعب، ومحبي مدرسة الخميني والخامنئي، وجميع المفجوعين بهذه الفاجعة العظيمة، أن يبرهنوا من خلال حضورهم المهيب في هذا الحدث التاريخي على مكانة ذلك الحبيب في قلوب الشعب النبيل، وأن يوصلوا رسالة مفادها أن نهج الثورة ونهج ذلك الشهيد الرمضاني سيستمر، وأن الثأر لدماء الشعب النبيل والشهداء الأعزاء سيؤخذ.
في هذه اللحظة، كيف لا يتذكر المرء مهندس هذه الحركة العظيمة، الإمام الخميني (رض) - ذلك المجدد الذي وضع بفكره السامي أسس محور المقاومة وأطلق قافلة الشهداء. لقد كان الإمام الشهيد المكمل الحقيقي لذلك النهج وتلك المدرسة، ثابتاً على مسار مبادئ الثورة الإسلامية حتى أنفاسه الأخيرة، ومقدماً نفسه قرباناً للشعب ولإيران الإسلامية.
اليوم، تقع مسؤولية مضاعفة على عاتق الحوزات العلمية والجامعات والنخب والمفكرين والإعلاميين. يجب تحويل هذا الحضور إلى حراك ثقافي وعلمي وحضاري مستدام. واجبنا هو تبيين الحقيقة، والحفاظ على التراث الفكري، ورسم أفق المستقبل، ومواصلة المسير. إن الشخصيات العظيمة في التاريخ الإسلامي تتحول إلى مدارس خالدة تستلهم منها الأجيال المتعاقبة.
إن استمرار نهج الإمام الشهيد يكمن في التمسك الصادق والواعي والمؤمن بولاية الفقيه في زماننا. إن سماحة القائد المعظم، آية الله السيد مجتبى حسيني خامنئي، هو المسار المضيء والواضح للاستمرارية - امتداد لوجود وفكر ونموذج القيادة المبارك لذلك الإمام الشهيد.
نسأل الله العلي القدير أن يرفع درجات هذا الشهيد الحبيب ويحشره مع أولياء الله، وأن يمنَّ على الأمة بالصبر والبصيرة، وعلى الأمة الإسلامية بالوحدة، وعلى جبهة المقاومة بالقوة، وعلى الأمم باليقظة، وأن يهيئ الأرضية لتحقق الوعود الإلهية.
الطريق واضح.
«وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ» (يوسف، 21)
والسلام على عباد الله الصالحين.
التعليقات
۰ الآراء
۰ التعليق